مقال • صحة • معرفة

التصلّب اللويحي المتعدد

March 5, 2026
~6 دقائق قراءة
Multiple Sclerosis
التصلّب اللويحي المتعدد (Multiple Sclerosis – MS): هو مرض التهابي مزمن يصيب الجهاز العصبي المركزي، ويؤثر على الدماغ والحبل الشوكي. يتميّز هذا المرض بحدوث تلف مناعي في غمد الميالين، وهو الغلاف الواقي الذي يحيط بالألياف العصبية. وعندما يتضرر هذا الغلاف، تتباطأ أو تتعطل عملية انتقال الإشارات العصبية بين الدماغ وبقية أجزاء الجسم، مما يؤدي إلى ظهور أعراض عصبية مختلفة مثل ضعف العضلات، والتنميل، واضطرابات التوازن والتنسيق الحركي، إضافة إلى مشاكل في الرؤية (Ford, 2020).
ويُعدّ التصلّب اللويحي أحد أكثر الاضطرابات العصبية شيوعًا لدى فئة الشباب والبالغين في مختلف أنحاء العالم.

الأسباب والآلية المرضية:
لا يزال السبب الدقيق لمرض التصلّب اللويحي غير معروف حتى الآن. وتشير الأبحاث الحالية إلى أن المرض ينشأ نتيجة تفاعل معقّد بين الاستعداد الوراثي والعوامل البيئية، مثل بعض أنواع العدوى الفيروسية، ونقص فيتامين د، والعوامل الجغرافية والبيئية (Oh et al., 2018).
وقد طُرحت نظريتان رئيسيتان لتفسير آلية حدوث المرض:
1. نظرية المناعة الذاتية: حيث يهاجم الجهاز المناعي عن طريق الخطأ غمد الميالين الذي يحيط بالأعصاب، مما يؤدي إلى حدوث التهاب وتلف في الجهاز العصبي المركزي.
2. نظرية العامل المُحفِّز العدوي: تشير إلى أن بعض أنواع العدوى قد تؤدي إلى تحفيز استجابة مناعية غير طبيعية، تستهدف لاحقًا الأنسجة العصبية.
ويرى بعض الباحثين أن التصلّب اللويحي قد يكون مرضًا مناعيًا ذاتيًا تالياً للعدوى، حيث تؤدي عدوى سابقة في مراحل مبكرة من الحياة إلى حدوث اضطراب طويل الأمد في الجهاز المناعي (Confavreux et al., 1991).

أنواع التصلّب اللويحي المتعدد:
1. المتلازمة المعزولة سريريًا (Clinically Isolated Syndrome – CIS):
تشير هذه الحالة إلى نوبة واحدة من الأعراض العصبية الناتجة عن التهاب أو إزالة الميالين في الجهاز العصبي المركزي. وقد تختفي الأعراض بشكل كامل، إلا أن التصوير بالرنين المغناطيسي قد يكشف وجود آفات صامتة إضافية تدعم تشخيص المرض في مراحله المبكرة.
2. التصلّب اللويحي الانتكاسي الهدئي (Relapsing–Remitting MS – RRMS):
يُعدّ هذا النوع الأكثر شيوعًا، حيث يمثل حوالي 85٪ من الحالات عند التشخيص. يتميّز بحدوث نوبات حادة من الأعراض (انتكاسات) تليها فترات من التحسن الجزئي أو الكامل تُعرف بفترات الهدوء. وتساعد العلاجات المعدِّلة لمسار المرض في تقليل تكرار الانتكاسات وتأخير تطور المرض.
3. التصلّب اللويحي التقدمي الثانوي (Secondary Progressive MS – SPMS):
يتطور هذا النوع لدى بعض المرضى بعد سنوات من الإصابة بالنوع الانتكاسي الهدئي. وفي هذه المرحلة تقل الانتكاسات، لكن يحدث تدهور تدريجي ومستمر في الوظائف العصبية.
4. التصلّب اللويحي التقدمي الأولي (Primary Progressive MS – PPMS):
يُعدّ أقل شيوعًا، ويتميّز بحدوث تدهور تدريجي في الوظائف العصبية منذ بداية المرض دون وجود نوبات واضحة من الانتكاس أو فترات تحسن ملحوظة.
5. المتلازمة المعزولة شعاعيًا (Radiologically Isolated Syndrome – RIS):
تشير هذه الحالة إلى وجود تغيرات في التصوير بالرنين المغناطيسي مشابهة لمرض التصلّب اللويحي لدى أشخاص لا يعانون من أي أعراض سريرية. وقد تتطور الأعراض لاحقًا لدى بعض الأفراد.

التشخيص:
يعتمد تشخيص التصلّب اللويحي على التقييم السريري إلى جانب مجموعة من الفحوصات التشخيصية التي تُظهر انتشار الآفات العصبية في الزمن والمكان داخل الجهاز العصبي المركزي.
التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI)
يُعدّ الرنين المغناطيسي الأداة التشخيصية الأكثر أهمية، حيث يساعد في الكشف عن آفات إزالة الميالين في الدماغ والحبل الشوكي. وتظهر هذه الآفات عادةً كبقع بيضاء في المادة البيضاء على صور T2 (Kaunzner & Gauthier, 2017).
استخدام مادة التباين (الجادولينيوم)
قد تُستخدم مادة الجادولينيوم لتحديد الآفات النشطة الالتهابية، مما يساعد في تقييم نشاط المرض.

الفحص العصبي:

يقوم طبيب الأعصاب بتقييم عدة وظائف عصبية، تشمل:

• ردود الفعل العصبية

• قوة العضلات

• الإحساس

• التوازن والتنسيق الحركي

• حركات العين

ويُعد التهاب العصب البصري أحد العلامات المبكرة الشائعة للمرض.

البزل القطني

يتم أخذ عينة من السائل الدماغي الشوكي (CSF) للكشف عن وجود الحزم قليلة النسائل (Oligoclonal Bands)، والتي تشير إلى نشاط مناعي غير طبيعي داخل الجهاز العصبي المركزي.

اختبار الجهود المحفَّزة

يقيس هذا الاختبار سرعة انتقال الإشارات العصبية إلى الدماغ، حيث يشير تأخر الاستجابة إلى احتمال وجود تلف في غمد الميالين.


العلاج:

لا يوجد علاج شافٍ نهائيًا لمرض التصلّب اللويحي حتى الآن، لكن يهدف العلاج إلى تقليل نشاط المرض، والسيطرة على الانتكاسات، وإبطاء تطور الإعاقة.

العلاجات المعدِّلة لمسار المرض (Disease-Modifying Therapies – DMTs)

تعمل هذه الأدوية على تعديل نشاط الجهاز المناعي لتقليل عدد الانتكاسات وإبطاء تقدم المرض. وقد تُعطى هذه العلاجات على شكل:

• حقن تحت الجلد أو في العضل

• أدوية فموية

• علاجات وريدية (Tavazzi et al., 2014)

علاج الانتكاسات الحادة

يُستخدم الكورتيكوستيرويد بجرعات عالية لتقليل الالتهاب وتسريع التعافي أثناء النوبات الحادة.

علاج الأعراض:

قد تُستخدم أدوية إضافية للسيطرة على أعراض مثل:

• التشنج العضلي

• التعب

• الألم

• اضطرابات المثانة


دور العلاج الطبيعي في التصلّب اللويحي:
يلعب العلاج الطبيعي دورًا أساسيًا في تحسين القدرة الحركية والاستقلالية وجودة الحياة لدى الأشخاص المصابين بالتصلّب اللويحي.
بعد إجراء تقييم شامل يشمل القوة العضلية، والتوازن، ووضعية الجسم، والمشي، والإحساس، ومستوى التعب، يقوم أخصائي العلاج الطبيعي بوضع برنامج تأهيلي فردي يتناسب مع احتياجات المريض.

وقد يتضمن البرنامج التأهيلي:
• التمارين الهوائية
• تمارين تقوية العضلات
• تمارين التوازن والتنسيق الحركي
• التدريب على الحركة الوظيفية
إدارة الأعراض الشائعة
الألم:
يمكن التخفيف منه من خلال التمارين العلاجية، وتمارين الإطالة، وتصحيح الوضعية، والعلاج اليدوي، والعلاج المائي.
التعب:
يتم التعامل معه عبر التمارين الهوائية التدريجية، واستراتيجيات تنظيم الجهد، وتقنيات حفظ الطاقة.
التشنج العضلي:
يُعالج من خلال تمارين الإطالة، وتمارين مدى الحركة، والوضعيات العلاجية المناسبة، وأحيانًا التحفيز الكهربائي.
مشاكل التوازن والتنسيق:
يتم تحسينها من خلال تمارين تقوية عضلات الجذع، وتدريب التوازن، وإعادة تأهيل المشي.
صعوبات الحركة:
يشمل العلاج التدريب الوظيفي واستخدام الأجهزة المساعدة المناسبة للحفاظ على الاستقلالية في الأنشطة اليومية.

اعتبارات سريرية مهمة:
الحساسية للحرارة
يعاني العديد من مرضى التصلّب اللويحي من عدم تحمّل الحرارة، حيث يمكن أن يؤدي ارتفاع درجة حرارة الجسم إلى تفاقم الأعراض بشكل مؤقت مثل الضعف والتعب ومشاكل الرؤية. لذلك يُنصح بممارسة التمارين في بيئة باردة نسبيًا مع الحفاظ على الترطيب وأخذ فترات راحة منتظمة.
إدارة الطاقة
تُعد إدارة الطاقة جزءًا مهمًا من الحياة اليومية لمرضى التصلّب اللويحي، وتشمل:
• جدولة المهام الأكثر أهمية خلال فترات النشاط
• أخذ فترات راحة قصيرة بشكل منتظم
• الحفاظ على وضعية جسم صحيحة
• تجنب الإجهاد المفرط
ويُعتبر النشاط البدني المعتدل مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيًا مفيدًا لمعظم المرضى.

التأثيرات النفسية:
لا يقتصر تأثير التصلّب اللويحي على الجانب الجسدي فقط، بل يمتد أيضًا إلى الصحة النفسية. وتشير الدراسات إلى أن الأشخاص المصابين بالمرض أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب والقلق والتوتر مقارنة بغيرهم من أفراد المجتمع (Boeschoten et al., 2017).
لذلك يُعد الدعم النفسي، والإرشاد العلاجي، وبرامج تعزيز الصحة النفسية جزءًا مهمًا من الرعاية الشاملة لمرضى التصلّب اللويحي.
 : References 
Boeschoten, R. E., Braamse, A. M. J., Beekman, A. T. F., Cuijpers, P., van Oppen, P., Dekker, J., & Uitdehaag, B. M. J. (2017). Prevalence of depression and anxiety in multiple sclerosis: A systematic review and meta-analysis. Journal of the Neurological Sciences, 372, 331–341. https://doi.org/10.1016/j.jns.2016.11.067
Confavreux, C., Goudable, B., & Moreau, T. (1991). Etiology of multiple sclerosis. Revue du Praticien, 41(20), 1888–1892.
Ford, H. (2020). Clinical presentation and diagnosis of multiple sclerosis. Clinical Medicine, 20(4), 380–383. https://doi.org/10.7861/clinmed.2020-0292
Kaunzner, U. W., & Gauthier, S. A. (2017). MRI in the assessment and monitoring of multiple sclerosis: An update on best practice. Therapeutic Advances in Neurological Disorders, 10(6), 247–261. https://doi.org/10.1177/1756285617708911
Oh, J., Vidal-Jordana, A., & Montalban, X. (2018). Multiple sclerosis: Clinical aspects. Current Opinion in Neurology, 31(6), 752–759. https://doi.org/10.1097/WCO.0000000000000622
Tavazzi, E., Rovaris, M., & La Mantia, L. (2014). Drug therapy for multiple sclerosis. Canadian Medical Association Journal, 186(11), 833–840. https://doi.org/10.1503/cmaj.130727